أحمد بن علي القلقشندي
93
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الكفر بمقامه ، وطوى أيّامهم بما ينشره ويديمه من أيامه ، وأنزل النصر في مواقف النّزال بما ترفعه راياته من أعلامه . وقف المملوك على ما أنعم به مولانا : من كتاب البشارة التي وصلت إلى كلّ قلب وسمع ، وأمّل بها كلّ مسلم كلّ خير ونفع ، وعلم ما وراءها من جمع شمل كان عزيز الجمع ، وعلم ما يتبعها من عواطف مولانا التي عوّدها منه أكرم طبع ، وتحقّق أن اللَّه سبحانه قد قلَّد الدين منه سيفا خلقه للوصل وخلق السّيوف للقطع . وبالجملة إن اللَّه سبحانه نظر إلى هذه الملَّة بنظر مولانا لها ، وكفالته لأهلها ، وسياستهم بشرف السجيّة وعدلها ، وإن كل ما اختلس الملك الناصر رحمه اللَّه فإن اللَّه يتمّه على يديه ، ويجبر به تارة بصفحة وتارة بحدّيه ، ويهب له عمرا نوحيّا ( 1 ) إلى أن لا يذر على الأرض من الكافرين ديّارا ، وإلى أن يورث الإسلام بسيفه منهم أرضا ومالا وديارا ؛ وهذه مخايل ( 2 ) لا يخلف اللَّه بارقتها ؛ بل يردّ إلى جهة الكفر صاعقتها ، فما يحسب المملوك أن جانبا يتلوّى على طاعة مولانا ولا ينحرف ، ولا أنّ كلمة عليه بعد اليوم تختلف ، ولا أنّ ممتنعا بالأمس يكون معه اليوم إلا أن يرضى عنه مولانا وعليه ينعطف . وعلى هذا فالشام الفرنجيّ ( 3 ) متأخذ بجناح إلى الأخذ وبقية عمر المؤمن كما قال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لا ثمن لها ، والفرص تمرّ مرّ السحاب ، والمستعاذ باللَّه من حسرات الفوت بعد الإمكان * ( ولَيَنْصُرَنَّ الله مَنْ يَنْصُرُه ) * ( 4 ) وما يشخص ( 5 ) لخطاب اللَّه تعالى بالجهاد إلا مولانا : النية خالصة ، والبصيرة ثاقبة ، والعزيمة ماضية ، والشجاعة منحة من اللَّه له موهوبة ، والسماحة خليقة من خلائقه الكريمة موجودة ،
--> ( 1 ) نسبة إلى نوح عليه السّلام . والمراد : عمرا طويلا . ( 2 ) يقال : ظهرت فيه مخايل النجاية دلائلها وفطنتها . ومفردها : مخيلة . ( 3 ) إشارة إلى احتلال الصليبيين لبعض بلاد الشام ومنها عكا ، كما سيأتي له . ( 4 ) الحج / 40 . ( 5 ) شخص : خرج . يقال : شخص من بلده وعنه : خرج منه . والعكس شخص إليه : رجع .